استمرار توحيد « خطب الجمعة » ينشد تبسيط التدين وتزكية النفس بالمغرب



كيف يتصور المجلس العلمي الأعلى ركائز ومرامي استمرار خطة “تسديد التبليغ”، التي تروم مخاطبة الناس بالمغرب عبر حوامل، من بينها الخطب الموحدة وطنيا، « حتى يفهموا جوهر التدين بعيدا عن كل تشعيب أو تعقيد »؟ تجيب عن ذلك « الكلمة التوجيهية » التي ألقاها، لمدة تقرب من ساعة، أحمد التوفيق، وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية، والتي عُرضت داخليا في لقاءات وطنية متزامنة قبل تعميمها، وجمعت رؤساء وأعضاء المجالس العلمية والأئمة والخطباء والمرشدين والمرشدات والوعاظ والواعظات ومندوبي الوزارة.

وأوضحت الكلمة، التي تأتي بعد سنة من انطلاق « الخطة » ، أنها تروم تجديد طرق تبليغ الدين، في « عصر الإحصاء، أي المعرفة العلمية لنسبة الصلاح والفساد، المصحوبة بالتشخيص المفصل في كل جماعة من الناس أو بلد أو أمة، علما بأن معظم مقاييس الفساد والصلاح مشتركة، من جهة العقل والتجريب، بين الناس وإن اختلفت مرجعياتهم. والإجرام”، حيث “يستعمل الناس نسب الإحصاء في هذه الميادين، وفي ما شابهها، للحكم على جماعة من الناس لوصف درجة تقدمها أو تخلفها، وبنفس القياس العقلي يمكن الحكم على درجة التزام جماعة بقيم الدين في مختلف الميادين، ومدى توجيه الدين توجيها نسبيا أو شاملا لكل جوانب الحياة”.

وبالتالي، فإن «أولى من يتعين عليهم اعتبار النتيجة في الالتزام بالدين في جماعة من المسلمين هم العلماء؛ لأنهم، كما ورثوا واجب القيام بالتبليغ، يتعين عليهم النظر الدائم في مدى نجاعة هذا التبليغ وتأثيره”. ومن هذا المنطلق، طرح المجلس العلمي الأعلى « إشكالية التبليغ كموضوع ومنهج (…) لأنهم وقفوا على الفجوة الكبرى والتفاوت الجلي بين قيم الدين في باب السلوك وبين نوعية تدين الناس، أي العمل بالدين في سائر أحوالهم وأعمالهم ومعاملاتهم”.

وتروم الخطة التوجه إلى الناس، « على اختلاف مستوياتهم وأقدار عقولهم، بما هم قادرون جميعا على فهمه واستيعابه، دون تعقيد أو تشعيب أو تشتيت للذهن، لأن القصد هو الحال المثمر للعمل”؛ وذلك بشرح الأمور الثلاثة التي يتأسس عليها الدين والتدين، وهي: الإيمان، والقيام بالأركان، والعمل الصالح.

ومن ركائز الخطة أن « المفهوم الجوهري الأساس في دعوة الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، أي في تبليغه، هو توحيد الله بالعبادة، والمضمون المتعلق بالحال في هذا المفهوم، بعد النطق بالشهادة، هو تطهير النفوس من الشرك والعنصر الأساسي الذي ينبغي التركيز عليه هنا هو أن الشرك ليس المقصود به عبادة الأصنام التي كانت. في مكة عند ظهور الإسلام، بلهو عبادة الإنسان نفسه، أي هواه، أو ما يسمى اليوم في اللغة المتداولة بين الناس ‘الأنانية’ وهذا التطهير أو التحرير أو التغيير هو المهمة الثانية التي سماها القرآن الكريم. بـ’التزكية’ (…) فالتزكية، كما ينبغي أن تُفهم في سياقنا، هي حال التحرر من الأنانية، حال من الحرية يصير إليها الإنسان بعد التشبع بالإيمان، وهو لا يرى لنفسه أمام الله حولا ولا قوة، أي يصير حاله حال الإسلام الذي به يرضي الله وينفع نفسه وينفع الناس، وأضعف الإيمان ألا يضر الناس”.

ومن بين ما سطرت عليه الكلمة من أفكار ينبغي تبليغها أن «يقين المؤمنين، بناء على الإيمان، لا يتنافى مع التعامل النافع مع كل المستجدات مما يبتكره الإنسان، من قبيل هذا الورش الكبير المسمى بالذكاء الاصطناعي، أو من قبيل هذه الكشوف المتعلقة بالطب، ومنها كيفية اشتغال دماغ الإنسان، ولا سيما من جهة العلاقة مع أنواع الاستجابة لقواعد السلوك”.

ثم تابع المصدر شارحا: « كل هذه الآيات العلمية التي يفتح الله بها على الإنسان لا ينبغي أن تغره وأن تجعله يطغى وكأنه استغنى، وإنما تستوجب التدبر في ضوء الإيمان، ومن منظور أن الاستعباد الذي يهدد الإنسان ويهدد التحرر المتاح له هو عبادة نفسه وعبادة أشيائه ومبتكراته وإنما التحرر المتاح للإنسان. مرتبط بتوحيد الله توحيدا باليقين والحال، يثمر تحررا فعليا من عبودية النفس والهوى، ولا سيما إذا كانت الأشياء والأفكار التي يبتكرها الإنسان تشككه في مبدئه ومصيره ومعنى حياته، حتى يقع في الحيرة الكبرى ويُظلم عليه”.

إذن، فالمعنى المطلوب التوجيه إليه في خطة « تسديد التبليغ » « لا يتغير في مبادئه بتغير العوارض التي تحدث في حياة الإنسان وعلى سبيل المثال، فإن هذه الوسائل التي تيسر التواصل وتسرع به سرعة البرق من أقصى الأرض إلى أقصاها، يستخدمها بعض الناس استخداما نافعا في الأمن أو في العلم أو في التجارة، كما يستخدمها آخرون في ترويج الزور وإشاعة الفاحشة، وعسى أن يستعملها العلماء للتعريف بخطتهم إذا كتب الله النجاح وهكذا شأن جميع الوسائل؛ فالإنسان هو المخترع وهو المستعمل وهو المرجع، والإنسان. إنسانان: مهتدٍ إلى الخير، وضالٌّ مستعمِل ومستعمَل في الشر”.

ودافعت كلمة المجلس العلمي الأعلى عن اقتراح الخطب « حتى يقتنع بها جميع من يتدبرها ويتحمل مسؤوليته من تلكأ في تبليغها، علما بأنه لا يستطيع خطيب أن يدعي حجة لمخالفتها، لا شكلا ولا مضمونا، وقصدها مؤصَّل في القرآن ومبيَّن من طرف علماء الأمة”.



Source link

Translate »
Attajir
Logo
Shopping cart